ابن قيم الجوزية

361

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

خائف راج . ولأجل هذا حسن وقوع الرجاء في موضع يحسن فيه وقوع الخوف . قال اللّه تعالى : ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً ( 13 ) [ نوح : 13 ] قال كثير من المفسرين : المعنى ما لكم لا تخافون للّه عظمة ؟ قالوا : والرجاء بمعنى الخوف . والتحقيق : أنه ملازم له . فكل راج خائف من فوات مرجوّه . والخوف بلا رجاء يأس وقنوط . وقال تعالى : قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ [ الجاثية : 14 ] قالوا في تفسيرها : لا يخافون وقائع اللّه بهم ، كوقائعه بمن قبلهم من الأمم . ومنها : أن العبد إذا تعلق قلبه برجاء ربه ، فأعطاه ما رجاه : كان ذلك ألطف موقعا ، وأحلى عند العبد . وأبلغ من حصول ما لم يرجه . وهذا أحد الأسباب والحكم في جعل المؤمنين بين الرجاء والخوف في هذه الدار . فعلى قدر رجائهم وخوفهم يكون فرحهم في القيامة بحصول مرجوّهم واندفاع مخوفهم . ومنها : أن اللّه سبحانه وتعالى يريد من عبده تكميل مراتب عبوديته : من الذل والانكسار ، والتوكل والاستعانة ، والخوف والرجاء ، والصبر والشكر ، والرضى والإنابة وغيرها . ولهذا قدّر عليه الذنب وابتلاه به ، لتكمل مراتب عبوديته بالتوبة التي هي من أحب عبوديات عبده إليه ، فكذلك تكميلها بالرجاء والخوف . ومنها : أن في الرجاء - من الانتظار والترقب والتوقع لفضل اللّه - ما يوجب تعلق القلب بذكره ، ودوام الالتفات إليه بملاحظة أسمائه وصفاته . وتنقل القلب في رياضها الأنيقة ، وأخذه بنصيبه من كل اسم وصفة - كما تقدم بيانه - فإذا فني عن ذلك وغاب عنه . فاته حظه ونصيبه من معاني هذه الأسماء والصفات . إلى فوائد أخرى كثيرة . يطالعها من أحسن تأمله وتفكره في استخراجها . وباللّه التوفيق . واللّه يشكر لشيخ الإسلام سعيه ، ويعلي درجته . ويجزيه أفضل جزائه . ويجمع بيننا وبينه في محل كرامته . فلو وجد مريده سعة وفسحة في ترك الاعتراض عليه واعتراض كلامه لما فعل . كيف وقد نفعه اللّه بكلامه ؟ وجلس بين يديه مجلس التلميذ من أستاذه . وهو أحد من كان على يديه فتحه يقظة ومناما ؟ وهذا غاية جهد المقل في هذا الموضع . فمن كان عنده فضل علم فليجد به ، أو فليعذر ، ولا يبادر إلى الإنكار . فكم بين الهدهد ونبي اللّه سليمان ؟ وهو يقول له : أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ [ النّمل : 22 ] وليس شيخ الإسلام أعلم من نبي اللّه . ولا المعترض عليه بأجهل من هدهد . واللّه المستعان . وهو أعلم . درجات الرجاء قال صاحب المنازل : « الرجاء على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : رجاء يبعث العامل على الاجتهاد . ويولد التلذذ بالخدمة . ويوقظ الطباع للسماحة بترك المناهي » . أي ينشطه لبذل جهده لما يرجوه من ثواب ربه . فإن من عرف قدر مطلوبه هان عليه ما يبذل فيه .